عبد الشافى محمد عبد اللطيف

93

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

العالمي ، ممثلا في الرسائل التي حملها مبعوثو النبي صلّى اللّه عليه وسلم إلى زعماء العالم ، كل ذلك لم يكن ممكنا قبل إخضاع قريش وتقييد حركتها ضد الإسلام ، ورغم أنها ظنّت - بل ظنّ بعض المسلمين - أنها خرجت كاسبة من معاهدة الحديبية ، ولكن في واقع الأمر كان صلح الحديبية انتصارا رائعا لدبلوماسية الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وسياسته الحكيمة وبعد نظره ، وقد دلّت كل وقائع التاريخ بعد ذلك على نجاح هذه السياسة النبوية ، وصدق اللّه العظيم الذي سمى هذا الصلح : فَتْحاً مُبِيناً [ الفتح : 1 ] . هل تعجب - بعد أن علمت ورأيت كل ذلك - من أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم قد أعطى كل هذه الأهمية لقريش ، وكرّس معظم جهوده لمعالجة العلاقات معها ؟ حتى علاقاته بالقبائل الآخرى التي كانت تقطن المناطق الساحلية على الطريق بين مكة والمدينة - خزاعة وجهينة وغفار وضمرة وبنو مدلج وغيرهم - والتي حالفها ووادعها وعاهدها ، كانت جزآ رئيسيّا من سياسته صلّى اللّه عليه وسلم ضد قريش ومن خطته في محاصرتها ، وتضييق الخناق عليها ، وأخذ طريق تجارتها لإجبارها على التخلي عن معاداتها للدعوة الإسلامية . ودراسة خطة النبي صلّى اللّه عليه وسلم في تلك الفترة تجاه قريش بالذات ، تعتبر ذات أهمية كبيرة لدارس سيرة الرسول ، وخط سير الدعوة الإسلامية ، ومراحلها الرئيسية ، وما تتميز به من حركية تلائم كل مرحلة ، ففي مكة كانت الدعوة إلى اللّه بالحجة والإقناع والصبر على الأذى في سبيل اللّه . وفي المدينة - بعد الهجرة وقبل بدر - كانت مرحلة الاستعداد والاستكشاف والدراسة ، والتلويح بالقوة أحيانا - لإعلام خصوم الدعوة الإسلامية - وقريش بالذات - أن القوة لم تكن أمرا مستبعدا عند الضرورة . فخير لها من الآن أن تذعن للّه ولرسوله . ولما لم تفهم قريش ، أو لم تحاول أن تفهم ؛ أو قل : لم ترد أن تفهم ، كانت الحرب الصريحة - منذ بدر - لتحطيم قوى البغي والعدوان والطغيان وتطهير الطريق أمام الدعوة منها ، وفي كل المراحل لم تتوقف الدعوة بالحجة والإقناع ؛ لأن هذا هو الأساس والقاعدة ، أما الحرب فكانت الاستثناء ؛ يلجأ إليه عند الضرورة ، وهي لرد العدوان ؛ وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [ البقرة 190 ] . * النشاط العسكري الإسلامي قبل بدر : ظلّ النبي صلّى اللّه عليه وسلم أكثر من ستة شهور في المدينة بعد الهجرة قبل أن يقوم بأي نشاط عسكري ، ورأيت أنه كان مشغولا في تلك الفترة بتأسيس الدولة الإسلامية وترتيب